عثمان بن جني ( ابن جني )

74

الخصائص

يعرف إلا بالقول " 1 " ، أو بما يقوم مقام القول : من شاهد الحال ؛ فلمّا كانت لا تظهر إلا بالقول سمّيت قولا ؛ إذ كانت سببا له ، وكان القول دليلا عليها ؛ كما يسمّى الشئ باسم غيره ، إذا كان ملابسا له . ومثله في الملابسة قول اللّه سبحانه وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ [ إبراهيم : 17 ] ومعناه - واللّه أعلم - أسباب الموت ؛ إذ لو جاءه الموت نفسه لمات به لا محالة . ومنه تسمية المزادة " 2 " الراوية " 2 " ، والنجو " 3 " نفسه الغائط ، وهو كثير . فإن قيل : فكيف عبّروا عن الاعتقادات والآراء بالقول ، ولم يعبّروا عنها بالكلام ، ولو سوّوا بينهما ، أو قلبوا الاستعمال ، كان ما ذا " 4 " ؟ فالجواب أنهم إنما فعلوا ذلك من حيث كان القول بالاعتقاد أشبه منه بالكلام ؛ وذلك أنّ الاعتقاد لا يفهم إلا بغيره ، وهو العبارة عنه ، كما أنّ القول قد لا يتم معناه إلا بغيره ؛ ألا ترى أنك إذا قلت : قام وأخليته من ضمير فإنه لا يتم معناه الذي وضع في الكلام عليه وله ؛ لأنه إنما وضع على أن يفاد معناه مقترنا بما يسند إليه من الفاعل ، وقام هذه نفسها قول ، وهي ناقصة محتاجة إلى الفاعل ، كاحتياج الاعتقاد إلى العبارة عنه . فلما اشتبها من هنا عبّر عن أحدهما بصاحبه . وليس كذلك الكلام ؛ لأنه وضع على الاستقلال ، والاستغناء عما سواه . والقول قد

--> ( 1 ) قلت : ومن ذلك قول أهل السنة والجماعة : ( الإيمان قول وعمل ، يزيد وينقص ) فالقول عندهم يشمل قول القلب أي إقراره وتصديقه ، وقول اللسان وهو المعتبر في إثبات الحد الظاهر من الإيمان وهو الإسلام لأنه لا دليل لنا على قول القلب وإقراره إلا قول اللسان . ( 2 ) المزادة : وعاء الماء كالقربة . والراوية في الأصل : البعير يستقى عليه ويحمل المزادة ، وتقال الراوية للمزادة نفسها لأن الراوية - وهو البعير - يحملها ، فكانت بسبب منه ، فعلى ذلك فهي من المجاز المرسل . ( 3 ) يريد أن النجو من النجوة ، وهي ما ارتفع من الأرض ، فقيل للغائط نجو لأن من يريد قضاء الحاجة يطلب النجوة - المرتفع من الأرض - يجلس تحتها تسترا ، فإطلاق النجو على الخارج هو من المجاز المرسل كذلك وعلاقته المحلية . ( 4 ) ترى أنه أخرج " ما ذا " عن الصدر ؛ إذ أعمل فيها " كان " وهذا لا شيء فيه . وكلام العرب على ذلك . وقد ذكر ابن مالك هذا في توضيحه الموضوع على مشكلات الجامع الصحيح ، وقد طبع في الهند ، واستشهد على هذا الحكم بقول عائشة رضى اللّه عنها في حديث الإفك : أقول ما ذا ؟ أفعل ما ذا ؟ . وانظر حاشية الشيخ يس على التصريح في مبحث الموصول . ( نجار ) .